الشيخ محمد زاهد الكوثري
8
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
يكون عند اللّه وجيها . 8 - سعى رضي اللّه عنه بجدّه وعمله في طريق المعالي حتى صار وكيل مشيخة الإسلام في تركيا ، وهو ممن يعرف للمنصب حقّه ، لذلك لم يفرّط في مصلحة إرضاء لذي جاه مهما يكن قويّا مسيطرا ، وقبل أن يعزل في منصبه في سبيل الاستمساك بالمصلحة . والاعتزال في سبيل الحقّ خير من الامتثال للباطل . 9 - عزل الشيخ عن وكالة المشيخة الإسلامية ، ولكنه بقي في مجلس وكالتها الذي كان رئيسا له ، وما كان يرى غضّا لمقامه أن ينزل من الرئاسة إلى العضوية ما دام سبب النزول رفيعا ، إنه العلوّ النفسيّ لا يمنع العامل من أن يعمل رئيسا أو مرءوسا ، فالعزّة تستمدّ من الحق في ذاته ، ويباركها الحقّ جل جلاله . 10 - ولكنّ العالم الأبيّ العفّ التّقيّ يمتحن أشد امتحان ، إذ يرى بلده العزيز وهو دار الإسلام الكبرى ، ومناط عزّته ، ومحطّ آمال المسلمين يسوده الإلحاد ، ثم يسيطر عليه من لا يرجو لهذا الدين وقارا ، ثم يصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر ، ثم يجد هو نفسه مقصودا بالأذى ، وأنه إن لم ينج ألقي في غيابات السجن ، وحيل بينه وبين العلم والتعليم . عندئذ يجد الإمام نفسه بين أمور ثلاثة : إما أن يبقى مأسورا مقيّدا ، ينطفئ علمه في غيابات السجون ، وإنّ ذلك لعزيز على عالم تعوّد الدرس والإرشاد ، وإخراج كنوز الدّين ليعلّمها النّاس عن بينة ، وإما أن يتملّق ويداهن ويمالئ ، ودون ذلك خرط القتاد بل حزّ الأعناق ، وإما أن يهاجر وبلاد اللّه واسعة ، وتذكّر قوله تعالى : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النّساء : 97 ] . 11 - هاجر إلى مصر ثم انتقل إلى الشام ، ثم عاد إلى القاهرة ، ثم رجع إلى دمشق مرة ثانية ، ثم ألقى عصا التسيار نهائيا بالقاهرة ، وهو في رحلاته إلى الشام ومقامه في القاهرة كان نورا ، وكان مسكنه الذي كان يسكنه ضؤل أو اتّسع مدرسة يأوي إليها طلاب العلم الحقيقي ، لا طلاب العلم المدرسي ، فيهتدي أولئك التلاميذ إلى ينابيع المعرفة ، من الكتب التي كتبت وسوق العلوم الإسلامية رائجة ونفوس العلماء عامرة بالإسلام ، فردّ عقول أولئك الباحثين إليها ووجّههم نحوها ، وهو يفسّر المغلق لهم ، ويفيض بغزير علمه وثمار فكره . 12 - وإنّ كاتب هذه السطور لم يلق الشيخ إلا قبل وفاته بنحو عامين ، وقد كان اللقاء الرّوحيّ من قبل ذلك بسنين ، عندما كنت أقرأ كتاباته ، وأقرأ تعليقه على ما يخرج من مخطوط ، وأقرأ ما ألّف من كتب ، وما كنت أحسب أنّ لي في نفس ذلك العالم الجليل مثل ما له في نفسي ، حتى قرأت كتابه « حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي » فوجدته رضي اللّه عنه خصّني عند الكلام في الحيل المنسوبة لأبي يوسف بكلمة خير . وأشهد أني سمعت ثناء من كبراء وعلماء ، فما اعتززت بثناء كما اعتززت بثناء ذلك الشيخ الجليل ، لأنه وسام علمي ممن يملك إعطاء الوسام العلمي .